الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

315

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

تشرع الآية في الكلام على علم الله فتقول : وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها هو . " مفاتح " جمع " مفتح " ( بكسر الميم وفتح التاء ) وهو المفتاح ، أما إذا كانت بفتح الميم فهي بمعنى الخزانة التي تختزن فيها الأشياء . وعلى الأول يكون المعنى : إن جميع مفاتيح الغيب بيد الله . وعلى الثاني يكون المعنى : إن جميع خزائن الغيب بيد الله . ويحتمل أن يكون المعنيان قد اجتمعا في عبارة واحدة ، وكما هو ثابت في علم الأصول ، فإن استعمال لفظة واحدة لعدة معان لا مانع منه ، وعلى كل حال فهاتان الكلمتان متلازمتان ، لأنه حيثما كانت الخزانة كان المفتاح . وأغلب الظن أن " مفاتح " بمعنى " مفاتيح " لا بمعنى " خزائن " لأن الهدف هو بيان علم الله ، فتكون المفاتيح وسائل لمعرفة مختلف الذخائر وهو أنسب بالآية ، وفي موضعين آخرين في القرآن ترد كلمة " مفاتح " بمعنى المفاتيح ( 1 ) . ثم لتوكيد ذلك أكثر يقول : ويعلم ما في البر والبحر . " البر " كل مكان واسع فسيح ، وتطلق على اليابسة ، " والبحر " كذلك تعني المحل الواسع الذي يتجمع فيه الماء ، وتطلق على البحار والمحيطات وعلى الأنهر العظيمة أحيانا . فالقول بأن الله يعلم ما في البر والبحر ، كناية عن إحاطته بكل شئ ، وهذه الإحاطة بما في البر والبحر إنما تمثل في الحقيقة جانبا من علمه الأوسع . فهو عالم بحركة آلاف الملايين من الكائنات الحية ، الكبيرة والصغيرة ، في أعماق البحار . وهو عالم بارتعاش أوراق الأشجار في كل غابة وجبل . وهو عالم بمسيرة كل برعمة وتفتح أوراقها .

--> 1 - ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة ( القصص ، 76 ) وأو ما ملكتم مفاتحه ( النور ، 61 ) .